الجواهري… مدرسة متفردة في الشعر السياسي! (*)

في الذكرى العشرين لرحيله:

د. إبراهيم العاتي

إن المتأمل فيما خلفه الشعراء من نتاج شعري وأدبي يلاحظ أنهم علي قسمين: الأول تغلب الذاتية علي شعره، فيكون ما يكتب صدي لتحولات النفس وانفعالاتها التي لا تنفتح علي الواقع ومعطياته إلا بقدر قليل، أما الثاني فيستلهم ما يدور في الواقع المعاش من أحداث سياسية واجتماعية وفكرية تؤثر في الذات، فتعبر عن ذلك التأثير بشكل فني، أي أن الواقع الموضوعي بما يزخر فيه من قضايا ومشكلات هو الرصيد الحي للفنان، والملهم لإبداعه. وقد نجد قسماً ثالثاً حاول التوفيق بين الاثنين، ربما بشكل غير واعي، فكان شعره مزيجاً من الذاتية والموضوعية.
وأحسب أن الجواهري (1900- 1997) كان من القسم الثاني، فمنذ أن بدأ الكتابة والنشر في العشرينيات من القرن الماضي كانت قضايا الوطن والأمة، بل والعالم الكبير ماثلة في شعره بقوة. وحينما نتصفح ديوانه ونراجع سيرة حياته ينفتح أمامنا تاريخ العراق والأمة العربية، بكل ما يحتويه من صراعات سياسية وعسكرية واجتماعية وفكرية عايشها الشاعر، وكان طرفاً فيها في أحيان كثيرة، فاكتوي بنارها سجناً وحرماناً وغربة رافقته حتي شيخوخته ووفاته. وخير مجال ابدع فيه هو في تناوله للموضوعات السياسية.

الجواهري ومدرسته في الشعر السياسي:

لقد واكب الجواهري نضال الشعب العراقي منذ العشرينيات من القرن الماضي، لتحقيق الاستقلال التام غير المقيد بالمعاهدات التي تجعل منه حبراً علي ورق. وبلغت قمة تألقه في الأربعينيات، وإن كان شعره قبل ذلك لا يقل قوة. ولم يكن الجواهري بالشاعر المترف الذي يراقب الأحداث من بعيد فتجود قريحته بشعر مصقول ليس فيه حرارة العاطفة وفورة الدم وسَوْرة الألم، بل كان ملتحماً بالأحداث التي تجري في العراق والمنطقة عموماً، ومسخراً شعره لمناصرة الحركات الوطنية وفضح من يقف في وجه مطالبها المشروعة في الحرية والاستقلال التام، ومحاربة الفساد الحكومي، والتعبير عن مطالب الطبقات المحرومة في المجتمع العراقي، بلغة تحريضية حادة ولكنها في أعلى المستويات الفنية، فعرّضه ذلك إلي السجن والتشريد وإغلاق الصحف التي كان يصدرها، ومحاربته في رزقه، ومنعه من دخول بعض الدول العربية، واغترابه في المنافي حتي وفاته في التسعينيات من القرن الماضي.
وتجدر الإشارة هنا إلي أن الجواهري صاحب مدرسة جديدة في الشعر السياسي. فإذا كان هذا الشعر عند الآخرين يمتاز بالمباشرة والتقرير واللغة الخطابية، فإنه عند شاعرنا يخضع للمعايير الفنية والجمالية، ويفيض بالصور المبتكرة التي حببته إلي نفوس الناس فحفظته عن ظهر قلب، وصارت تردده كلما مرت بهم تجربة مماثلة حزينة أو سارة.
وإلي ذلك أشار الشاعر العراقي الراحل العلامة الدكتور مصطفى جمال الدين قائلاً:( نحن في الأربعينيات من هذا القرن ــ العشرين ــ ما كنا نجد شاعراً سياسياً يخضع السياسة والفكر السياسي للأسلوب الفني الحديث مثل الجواهري، فكان شعره في الأربعينيات مدرسة جديدة في الأدب غير موجودة من قبل)(1).
وخير نموذج لشعره السياسي، ما كتبه في تلك المرحلة خلال وثبة كانون الثاني 1948 التي هبّ فيها الشعب ضد معاهدة (بورتسموث) التي رأت فيها القوي السياسية العراقية خرقاً للسيادة الوطنية، وتكريسا للاحتلال البريطاني للعراق. فخرجت المظاهرات السلمية في بغداد والمدن العراقية الأخري، لكن الحكومة قابلتها بقسوة متناهية، حيث أطلقت الشرطة الرصاص الحي علي المتظاهرين فسقط أخوه جعفر مضرجاً بدمه، واستشهد معه قيس الآلوسي وعدد آخر من المتظاهرين، فتفاعل الجواهري مع هذا الحادث الجلل وكتب قصائده الخالدة ذات النفس الملحمي في رثاء أخيه جعفر وبقية الشهداء، وندد بمن ارتكبوا ذلك العمل، ودعا إلي الاقتصاص منهم. ولعل أشهر قصائده في هذا المضمار قصيدة (أخي جعفر) التي ألقاها في الحفل التأبيني الكبير مساء 14 شباط 1948 في جامع الحيدرخانه في بغداد، بمناسبة مرور سبعة أيام علي استشهاد أخيه محمد جعفر الجواهري وإخوانه من الشهداء في معركة الجسر والتي يقول فيها (2):
أتعلم أم أنت لا تعلمُ
بأن جراح الضحايا فمُ
فمٌ ليس كالمدعي قولةً
وليس كآخر يسترحمُ
يصيح علي المدقعين الجياع
أريقوا دماءكمُ تُطعموا
ويهتف بالنفر المهطعين
أهينوا لئامكمُ تُكرموا

****
أتعلم أن جراح الشهيد
تظلُّ عن الثأر تستفهمُ
أتعلم أن جراحَ الشهيد
من الجوع تهضم ما تَلهمُ
تمص دماً ثم تبغي دماً
وتبقي تُلح وتستطعمُ
فقل للمقيم علي ذُلهِ
هجينا يُسخَّر أو يُلجمُ
تقَحمْ، لُعنتَ، أزيز الرصاص وجرِّب من الحظ ما يُقسمُ
وخُضها كما خاضها الأسبقون
وثنِّ بما افتتحَ الأقدمُ
فإما إلي حيثُ تبدو الحياة
لعينيكَ مكرمةً تُغنمُ
وإما إلي جَدَثٍ لم يكن
ليفضُله بيتك المظلمُ

****
كانت هذه القصيدة نشيد الثوار في العراق وغيره من الدول العربية، ترددها الأجيال وتحفظ الكثير من مقاطعها، وتستحضرها كلما مرت بها محنة أو نكبة سياسية، وما أكثر نكبات العرب في ذلك الحين وحتى يومنا هذا. وسر شهرة هذه القصيدة هو صدقها الفني، وتدفق صورها المرعبة المضمخة بالدم القاني الذي يصرخ بالجماهير للثأر والثورة، وخلع لباس الذل والخوف للعيش بحرية وكرامة. حيث يلتحم الشاعر بالمناسبة وتفاصيلها، بل يبدو وكأنه أحد المتظاهرين الذين شهدوا واقعة الجسر مع أخيه جعفر، لكنه لا (يشخصن) القضية لأن أخاه من أبطالها، بل يبقي على بعدها الوطني والإنساني العام الذي يُلهم
عشاق الحرية أينما كانوا.
ويضيق بنا المقام لو تتبعنا شعر الجواهري في الحرب العالمية الثانية، والقضية الفلسطينية قبل النكبة وبعدها، ونضال الشعب المصري وصموده ضد العدوان الثلاثي، وكذلك نضال سوريا للتخلص من الاحتلال الفرنسي، وثورة الجزائر وغير ذلك من نضال الشعوب الحرة في العالم.
وتبقى النتيجة التي نخلص إليها أن شعر الجواهري كان سجلاً حياً وكتاباً مفتوحا نقرأ بين طياته تاريخ العراق الحديث والمنطقة العربية، وحركة الشعوب في مسيرتها نحو العدل والحرية.
وانتهز هذه الفرصة لأنشر صورتين نادرتين للشيخ الوالد سماحة العلامة الشيخ عبد الزهراء العاتي (1926- 1985) وهو يلقي قصيدة في مؤتمر الادباء العرب في الكويت عام 1958، ويظهر خلفه على المنصة الشاعر الجواهري الذي كان يرأس الجلسة، وفي الصورة الثانية يشاهَد الجواهري واقفا لاستلام القصيدة من الشيخ الوالد رحمه الله. أما الصور الأخرى فهي للجواهري (الشيخ) في شبابه، حينما كان يدرس في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، والثانية وهو في شيخوخته رحمه الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ملخص لدراسة موسعة عن شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري.
(1) د. إبراهيم العاتي، اللقاء الأخير مع مصطفي جمال الدين، كتاب (سيد النخيل المقفي)، ص285، إصدار المكتبة الأدبية المختصة، قم، 1418هـ.
(2) محمد مهدي الجواهري: ديوان الجواهري، ج3، ص259 وما بعدها، نشرة وزارة الإعلام، بغداد، 1973.


مشاركة المقال :