القوة تهزم صاحبها

محمد الكلابي

كتب الأستاذ علاء الخطيب في الأسبوع الماضي مقالاً بعنوان «البقاء للأقوى»، تناول فيه نزعة التوحش التي أخذت تتسع في حياتنا السياسية والإنسانية، واستعرض ما طرأ على مفهوم القوة من تحولات، بدءاً من نظرية داروين، ومروراً بفلسفة نيتشه، وصولاً إلى عالم أصبحت فيه الغلبة عند كثيرين دليلاً على المشروعية. وقد أثار مقاله مسألة تستحق مزيداً من النظر، تتعلق بالطريقة التي استطاعت بها القوة أن تفرض مقاييسها على أحكام الناس، حتى أصبح بعضهم يقيس الحق بمقدار ما يملكه صاحبه من وسائل لفرضه، ويحسب المنتصر أحق من المهزوم لمجرد أنه استطاع التغلب عليه.

ولعل أخطر ما في هذا الاعتقاد أن الناس إذا اعتادوا احترام القوي لقوته، أخذوا يلتمسون له الأعذار كلما تجاوز حدود العدل. فالفعل الذي يستنكرونه من الضعيف قد يجدون له تفسيراً مقبولاً حين يصدر عن صاحب السلطان. وربما بلغ الأمر ببعضهم أن يعدوا القسوة حزماً، والإقصاء كفاءة في القيادة، والبطش ضرورة تقتضيها السياسة. وهكذا تتبدل الأحكام بتبدل مواقع أصحابها، ويصبح النجاح في فرض الإرادة حجة يستند إليها المنتصر لتسويغ أفعاله. ومن ينشأ في مجتمع تسوده هذه المقاييس يتعلم أن يطلب القوة قبل أن يسأل عن وجه استعمالها، وأن يخشى الضعف أكثر مما يخشى الظلم.

وقد يُستحضر نيتشه لتأييد هذا المسلك، مع أن فلسفته في القوة أعقد من التفسير الذي يجعلها ترخيصاً للبطش بالآخرين. فقد انشغل بتحرير الإنسان من القيم التي يتلقاها دون فحص، ودعاه إلى تجاوز نفسه وإعادة النظر في مصادر أحكامه. وكان يدرك ما تنطوي عليه مواجهة الشر من خطر على صاحبها، حتى قال في كتابه «ما وراء الخير والشر»: «من يقاتل الوحوش، عليه أن يحذر ألا يتحول هو نفسه إلى وحش، وإذا نظرت طويلاً في الهاوية، فإن الهاوية تنظر إليك أيضاً». وفي هذه العبارة ملاحظة نفسية دقيقة؛ فالمرء الذي يطيل معاشرة القسوة، ولو كان قصده مقاومتها، قد يعتاد أساليبها حتى تصبح جزءاً من طبعه. وربما انتهى به الأمر إلى ممارسة ما كان ينكره، ثم وجد لنفسه من الحجج ما كان يرفض سماعه من خصومه.

وهذا ما نراه عند بعض الذين يتولون السلطة باسم حماية الناس من الظلم، ثم يأخذون في استعمال الوسائل التي كانوا ينددون بها. يبدأ الواحد منهم بتسويغ الشدة في ظروف استثنائية، ثم تتسع الاستثناءات حتى تغدو عادة مستقرة. ويصبح الاعتراض على تصرفاته تهديداً للأمن، ومحاسبته إضعافاً للدولة، ومخالفته خروجاً على المصلحة العامة. وقد لا يشعر بما طرأ على سلوكه من تبدل، لأنه ظل ينظر إلى نفسه بالصورة التي عرفها قبل امتلاك السلطان. وللسلطة أثر عجيب في صاحبها؛ فهي تمنحه القدرة على تنفيذ ما يريد، ثم تغريه بالاعتقاد أن كل ما يريده جدير بالتنفيذ.

وليس عسيراً أن نجد في التاريخ أمثلة على ذلك. فقد بلغ نيرون من السلطان ما جعل حياة كثير من الناس خاضعة لأهوائه، وارتبط اسمه في الروايات التاريخية بالقسوة والاضطراب السياسي. أما الحكاية الشائعة عن إحراقه روما والغناء على أنقاضها، فقد تناقلتها الأجيال حتى غدت جزءاً من صورته، مع أن ثبوتها التاريخي موضع خلاف. وانتهى حكمه بثورة عليه، وفرار من روما، ثم انتحاره سنة 68 للميلاد. ولم تنفعه الجيوش والحاشية حين تهاوت أركان سلطانه، فقد كانت الوسائل التي أعانته على إخضاع الآخرين عاجزة عن ضمان ولائهم له. وهكذا يستطيع الحاكم أن يفرض الطاعة زمناً طويلاً، ثم يكتشف عند أول محنة أن الخوف الذي أحاط به نفسه لم يكن كافياً لحمايته.

وفي تاريخ غاليليو صورة أخرى تستحق التأمل. فقد واجه هذا العالم سلطة دينية وقضائية رفضت دفاعه عن حركة الأرض، وانتهت محاكمته سنة 1633 بإدانته وإلزامه بالتراجع عن آرائه، ثم عاش بقية حياته تحت الإقامة الجبرية. وكان خصومه يملكون يومئذ سلطة الحكم والمنع، بينما لم يكن في وسعه أن يفرض عليهم قبول ما توصل إليه. ومع ذلك استمرت الأبحاث الفلكية، وتقدمت الأدلة التي أيدت التصور العلمي الذي دافع عنه. وقد استطاع أصحاب السلطان أن يقيدوا حركته ويمنعوا نشر بعض آرائه، لكن أحكامهم لم تكن قادرة على تغيير حركة الأرض أو إيقاف البحث فيها. ولعل في هذه الواقعة ما يبين الفرق بين إخضاع صاحب الرأي وإبطال رأيه؛ فقد ينجح الأول بقوة القانون أو السلاح، أما الثاني فيحتاج إلى حجة تستطيع الصمود أمام الفحص.

وإذا كانت الغلبة تكفي لإسكات الخصوم، فإنها تعجز وحدها عن حملهم على الاقتناع. وربما أظهر الناس الطاعة وهم يضمرون السخط، وأعلنوا الولاء اتقاءً للعقوبة، حتى يظن الحاكم أن الجميع راضون عنه. ثم يفاجأ عند اضطراب الأحوال بأن كثيراً ممن كانوا يصفقون له ينتظرون فرصة الخلاص منه. وقد عرف الطغاة هذه الظاهرة مراراً، ومع ذلك ظل بعضهم يخلط بين الصمت والرضا، لأن السلطة تحجب عن صاحبها كثيراً مما يجري في نفوس المحكومين. ومن اعتاد أن يسمع ما يسره يفقد بالتدريج قدرته على معرفة ما ينبغي أن يخشاه.

والأشد ضرراً أن ينتقل هذا المنطق من قصور الحكام إلى حياة الناس، فيصبح التسلط موضع إعجاب، ويُنظر إلى الرحمة على أنها ضعف، وإلى التسامح على أنه عجز عن الانتقام. وقد تجد هذه الأحكام طريقها إلى التربية والعمل والإعلام، حتى ينشأ الفرد وهو يظن أن عليه أن يكون قاسياً ليحظى بالاحترام. ومن لا يستطيع مجاراة هذا السلوك قد يتعرض للازدراء، مهما كانت له من فضائل أو مواهب. وعندئذٍ تضيق مقاييس التفاضل بين البشر، ويصبح مقدار ما يستطيع المرء إلحاقه من أذى بغيره دليلاً زائفاً على علو مكانته.

وقد يبلغ فساد هذا المقياس حداً يجعل الناس يتعاملون مع البقاء نفسه كأنه امتياز يستحقه الأقوى وحده. فالضعيف، في نظر أصحاب هذا الاعتقاد، مسؤول عن ضعفه، ومن عجز عن الدفاع عن حقه فقد خسر استحقاقه له. وتلك نتيجة خطيرة إذا انتقلت إلى شؤون المجتمع والدولة، لأنها تجعل حماية الإنسان مرهونة بما يملك من وسائل الدفاع عن نفسه. ولو جرى العمل بها لما كان للمريض والعاجز والفقير نصيب مضمون من العدل، ولأصبحت الحقوق منحاً يتفضل بها القادرون على من دونهم. وما شرعت القوانين وأقيمت المؤسسات إلا لتنظيم العلاقات بين الناس، وحماية من قد تعجز قوته الفردية عن صيانة حقوقه.

ومن غرائب هذا المذهب أن أصحابه قلما يفكرون في اليوم الذي تنتقل فيه الغلبة إلى غيرهم. فالذي يجعل القوة مصدراً للحق يمنح خصمه، من حيث لا يشعر، الحجة نفسها إذا أصبح أقوى منه. وقد يستحسن اليوم ما يرتكبه المنتصر بحق المهزوم، ثم يستنكره غداً إذا انقلبت الموازين ووقع عليه الفعل ذاته. ولا يستطيع مجتمع أن يستقر على قاعدة تتبدل فيها الحقوق بتبدل أصحاب السلطان، لأن كل انتصار يصبح تمهيداً لصراع جديد، وكل غالب يعيش تحت تهديد من يستطيع التغلب عليه.

وهذا يفسر كيف يمكن للقوة أن تهزم صاحبها. فهي إذا أصبحت المقياس الوحيد الذي يحتكم إليه، أفسدت علاقته بالناس، وحرمته من الثقة التي يحتاج إليها حين تضعف قدرته على الإكراه. وربما ظن أنه أحاط نفسه بالأمان بعدما أخضع خصومه، ثم وجد أن ما صنعه من خوف قد تحول إلى عداوة مكتومة. فالسلطان الذي يقوم على البطش يحتاج إلى مزيد من البطش كلما اتسعت مقاومته، حتى يغدو الحفاظ عليه عبئاً يستنزف صاحبه ومن حوله.

ولا يعني ذلك أن المجتمعات تستطيع الاستغناء عن القوة في تنظيم شؤونها والدفاع عن حقوقها. فالدولة تحتاج إلى وسائل تنفذ بها القانون وتحمي بها الناس، وقد تضطر إلى استعمال الإكراه في مواجهة الاعتداء. وإنما يتحدد وجه المشروعية بالغاية التي تُستعمل القوة من أجلها، والحدود التي تخضع لها، وإمكان محاسبة من يتصرف بها. وحين يستقل السلطان عن هذه الضوابط، يصبح صاحبه أقدر على فرض إرادته وأقل استعداداً لسماع ما يخالفها، وقد ينتهي إلى الاعتقاد بأن مصلحته الشخصية هي مصلحة الجميع.

وأحسب أن من أشد الأوهام رسوخاً في عقول البشر اعتقادهم أن المنتصر يملك، بحكم انتصاره، فضيلة تبرر له ما فعل. فقد انتصر في التاريخ رجال لا يستحقون الإعجاب، وهُزم آخرون ظلت أفكارهم حية بعد زوال خصومهم. وكان في وسع أصحاب السطوة أن يفرضوا أحكامهم على معاصريهم، لكنهم لم يستطيعوا أن يفرضوا على الأجيال اللاحقة الطريقة التي ستنظر بها إليهم. وربما كان هذا مما يغفله الذين يفتنون بسلطانهم، إذ يظنون أن ما يملكونه اليوم من وسائل السيطرة سيظل كافياً لحماية صورتهم في ذاكرة الناس.

ومن يقرأ التاريخ يجد أن كثيراً ممن تنازعوا على الحكم والجاه لم يبق من أخبارهم إلا ما ارتكبوه في سبيلهما، بينما ظلت أسماء بعض الذين عانوا الاضطهاد حاضرة بما تركوه من علم وفكر وأثر في حياة البشر. وقد يكون المرء قوياً في زمانه، ثم لا يجد له التاريخ فضيلة يذكره بها، ويكون آخر ضعيف الحيلة بين معاصريه، فتعيش آثاره قروناً بعد رحيله.

ولعل الأستاذ علاء الخطيب، حين تناول في مقاله مبدأ «البقاء للأقوى»، قد فتح باباً للنظر في المصير الذي ينتظر المجتمعات إذا جعلت الغلبة ميزاناً للحق. فالذي يعتاد هذا الميزان لا يضمن أن يظل في كفته الراجحة، ومن يربي الناس على الخضوع للقوة ينبغي أن يتوقع خضوعهم لمن يأتي بعده أشد قوة. وقد يربح المرء معاركه جميعاً، ثم يخسر ما كان جديراً بأن يحافظ عليه من ثقة الناس واحترامهم.

ولذلك فإن من يبقى لأنه الأقوى قد لا يعرف لماذا بقي، بعدما جعل الغلبة غاية تستغرق عمره وتستنفد ما لديه. وربما أمضى حياته يحرس سلطاناً يخشى زواله، حتى يدرك متأخراً أن القوة التي مكنته من إخضاع الآخرين قد جعلته أسيراً للمحافظة عليها. أما الذين تركوا في حياة البشر أثراً يستحق البقاء، فقد وجدوا لأنفسهم مكاناً في الذاكرة لا تملكه الجيوش ولا تمنحه المناصب.

الخلود لا تمنحه السيوف، وإنما الكلمات التي تنجو من السيوف.


مشاركة المقال :