الروائية الهولندية آنا خن خومان : تنتقد النفاق العالمي / سلوى زاهر

سلوى زاهر /  امستردام

آنا خن خومان صحفية وروائية هولندية درست علوم الصحافة والإعلام في جامعة أوترخت عُرفت فيهولندا بكاتبة الجوائز فقد حصدت أولى رواياتهازائر المرضىفي ٢٠٠٨، جائزة أنطون فخت. وفي٢٠١٢حصدت  روايتهارحلة طائرةجائزة ألمانية للكتُاب الشباب،إضافة لجائزة الكتُاب الوافدين، تلتهاروايةملك هونولولوفي ٢٠١٥ حيث اثارت الرواية جدلاً واسعا في هولندا لجرأتها في التطرق إلىموضوعات إشكالية معقدة تطرح للقارىء الهولندي لأول مرة، منها الولوج إلى خفايا وعالم المحفلالماسوني في هولندا، والتطرق للماضي الاستعماري الاسود لهولندا في إندونيسيا وممارسات البيض ضدمزارعي إندونيسيا إضافة للممارسات اللاأخلاقية ضد القيم الإنسانية في إندونيسيا. كما وتطرقت للتأثيرعن مجريات الحرب العالمية الثانية  وفي سياق الأحداث الروائية التي نسجها خيالها تطرقت للقصف الذريالذي نفذته الطائرات الأمريكية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي . حققت الرواية حينها نجاحا باهراً،وبيعت منها ستين ألف نسخة. وتحولت إلى فيلم سينمائي أنجزته جمعية السينما  الهولندية.  فيالسنوات  الأربعة الأخيرة جابت خومان العالم من اليابان، الولايات المتحدة الأمريكية، وجزر الهاواي إلىجزيرة مارشال على المحيط الهادي. لتكتب روايتها الرابعة التي استغرقت منها أربع سنوات من الجهدوالبحث المضني لتظهرهولي ترينتشهللعلن في مايو٢٠١٩

انتقدت عالم الماسونية المخيف

في هذه الرواية سلطت خومان الضوء على سياسة النفاق العالمي الذي تعتمده السياسة الدولية فيالتعاطي مع القضايا الإنسانية والبيئية الكبرى منها مخاطر انتشار الطاقة النووية في العالم وخطورةاعتمادها كبديل مستقبلي لتوليد الطاقة. وحول نجاحات الكاتبة واخفاقاتها ورؤيتها المستقبلية لسوقالكتاب وعالم القراءة في العالم كان لي معها هذا الحوار

وحول سبب اختيارها لموضوعات روايتها الإشكالية  تجيب خومان : أرى أن الكتابة بحد ذاتها أصبحتمهمة صعبة  وشاقة وخصوصاً إذا أراد الكاتب توجيه روايته إلى عقل القارئ، فا الكتاب بالنسبة لي هوالعالم الآخر الذي يتيح لي ولأي قارئ استخدام كل تلافيف دماغه للوصول الى المتعة الذهنية الحقيقة والتيتقوده بدورها لتشكيل وجود جديد و وعي خلاق قوامه الحروف والكلمات. واعتماداً على هذه الفكرة أبدأباختيار مواضيع رواياتي وأنسج من تلك الفكرة فضاءً روائياً و عوالم وشخصيات مختلفة او متشابهة معتلك التي نعايشها في الحياة الواقعية والتي تساهم بدورها في المكاشفة الذاتية أو مكاشفة الآخر للوصولبالنهاية إلى مجتمع بشري إنساني يستخدم العقل والمشاعر للوصول الى عالم بلا نفاق أو مواربة. فالحياةلا يمكن ان تستمر بهذا المنوال باستخدام العقل فقط. فالنفط والثروات الباطنية  ليس لها أي معنى لو وجدتفي عالم خالٍ من الإنسانية. أسعى في كل كتابتي لتحرير الروح الإنسانية من القيود التي تفرضها القوانينالوضعية  والنظريات البراغماتية على العقل البشري، فأنا هنا أخاف أن يصل العالم بمستوى من الانحطاطالأخلاقي لدرجة يصعب معها التمييز بين القيّم الإنسانية أو الغرائزية الحيوانية. لقد وصلت بعضالحكومات والمنظمات العالمية ذات المصداقية الدولية إلى مستوى غير محدود من النفاق  الأخلاقي السائدوالذي لا يمكن  التنبؤ بنتائجه على مستقبل  للأجيال القادمة     

وعن روايتهاهولي ترينتشيه  ومدى نجاحها في السوق الهولندية تجيب خومان :

     صدرت روايتي في ٢٠١٩ ولكنها لغاية الآن لم تحقق نجاحاً في نسب المبيعات كما حققته روايةملكهونولولووقت صدورها، ربما لأن أحداث روايةملك هونولولوكانت تدور حول مشكلة نفسية لرجل ذوماضيٍ مؤلم حيث تطرقتُ  في تلك الرواية إلى عالم ( البنائين الأحرار )  عالم الماسونية المعقد فهادريبطل رواية  ملك هونولولو هو طباخ أدونيسي، مشهور قدم طفلا إلى هولندا أثناء الحرب العالمية الثانية. عاش وترعرع صامتاً، لا أحد  يعرف  شيئاً عن ماضيه، وفي سن ٨٦ كان عليه أن يتحدث عن حياته في المحفلالماسوني حينها أفشى سر حياته وهو انه قتل ثمانية أشخاص انتقاماً لمقتل امه ومقتل العديد من أفرادأسرته  أثناء الحرب الأهلية الأندونسية، هنا وضع بطل تلك الرواية باقي أعضاء المحفل في معضلة حولكتمان سر ذلك القاتل الذي تربى وترعرع بينهم لسنين وارتقى في عضويته إلى مرتبة عالية في المحفل. فكتمالأسرار إحدي أهم قيم البنائين، بإفشائه لسره وضعهارديأعضاء المحفل الماسوني أمام معضلة أخلاقيةتمس القيم المتعارف عليها بينهم، فهل يبقى سره طي الكتمان، ويبقى عضوا فعالاً في المحفل أم يُطرد ويتمإفشاء سره. وهنا لم تقدم الرواية حلاً للمعضلة التي بقيت حديث الإعلام الهولندي حينها. أما روايتيهولي ترينتشيهفهي تعالج الواقع الحالي الذي نعيشه اليوم. فقد اعتمدت في روايتي على واقعةحقيقية حدثت بالفعل. وهي حكاية راهبة وناشطة بيئية أمريكية تدعىميغان رايس  قضت كل حياتهاوهي تتظاهر ضد الحروب التي تديرها أمريكا ضد بلادٍ مختلفة، وضد إنشاء المفاعلات النووية في العالم . وقد تمكنت من زيارتها ولقاءها في واشنطن  في سنة ٢٠١٦، وأجريت معها حواراً أعطاني الكثيرمن  الإلهاموحفز كل خلايا دماغي لاستلهام ونسج روايتيهولي ترينتشة”.  فأحداث روايتي تدور حول راهبةهولندية ناشطة في هولندا ضد الإجهاض والحروب تسمى  ترينتاو التي تعتقد أن لديها مهمة ربانية ألاوهي القضاء على المفاعلات النووية في العالم ، لما لها من قوة تدميرية على الحياة البيئية.  ففكرة الروايةجاءت لذهني بالمصادفة  فعندما سمعت في نشرة الأخبار عن حكاية  راهبة أمريكية  جُرمت بالسجن ثلاثلمحاولتها اقتحام إحدى المفاعلات النووية الأمريكية.

فالراهبة في روايتي  قررت وهي عمر بعمر٨2 القيام بنوع من الاحتجاج ألا وهو الغارة على المفاعل النوويالوحيد الموجود في هولندا، بالتعاون مع ناشطين بيئيين عالميين لديهم ذات الدوافع منهن مارشال بونيباتلوك، والياباني بوشيدا كاواموتو. كلاهما لديه أسبابه الكافية لمشاركة الرهبة في التخلص من الطاقةالنووية. بوني قادم من جزر مارشال التي تلوثت بالقنابل النووية جراء التجارب الأمريكية في المحيطالهادئ. فالنساء هناك تلد أطفال مشوهين نتيجة النشاط الاشعاعي الكثيف في الجزيرة. لقد سافرت إلىهناك وشاهدت بأم عيني الكم الهائل للتشوهات الخلقية للأطفال والكبار. وزرت المشافي والمدارس وعشتأسبوعين بين الأطفال المرضى. إضافة لحزني الشديد للأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها هؤلاء البشر،شعرت بالخزي والعار للصمت الأوروبي على مثل هذه الأنشطة النووية التي تغمض المنظمات الدولية العينعنها، ويتم الاعتام عليها إعلاميا. أما يوشيدا فهو ضحية لكارثة فوكوشيما النووية، والتي حدثت جراءالتسونامي الذي حدث في اليابان في ٢٠١١، فقد خسر كل أفراد أسرته ما زال يفقد أفراد أسرته الواحد تلوالآخر بسبب السرطانات الغريبة التي تجتاح الأسر بكاملها. لقد قمت كذلك بزيارة لأقرب بلدة مسموحالاقتراب منها وشاهدت في اليابان مأساة إنسانية حقيقية فمنذ كارثة تسونامي فوكوشيما والناس تعيشبعيدة عن أراضيها وممتلكاتها. لقد أجريت عدة لقاءات مع أشخاص فأغلب المبعدين عن بيوتهم يودونالعودة رغم المخاطر الإشعاعية. ما حدث ويحدث في اليابان ليس إنسانياً والحكومة هناك تمنع التدخلالاممي او إجراء أبحاث علمية حول كمية النشاط الإشعاعي ومدى خطورته على الحياة البيئة فوق الكرةالأرضية

حاولتُ في هذه الرواية نسج قصة عبثية لتسليط الضوء على تلك القضية المستقبلية لما لها تأثير علىمستقبل أبناءنا وأحفادنا. محاولة خلق عالم عبثي ساخر من النفاق و الضجيج الإعلامي حول المشاكلالكونية البيئة. فروايتي تطرح قضايا إشكالية في الحياة. وتتركها لبحث وتفكير القراء

وحول رويتها لمستقبل صناعة الكتاب في أوربة والعالم خصوصاً تجيب خومان

بصراحة الواقع الذي نعيشه مخيف، وحسب كل المعطيات الحالية ونسب مبيعات الكتب في هولندا أستطيعالقول أن صناعة الكتاب تدهورت لدرجة مخيفة. فكثير من دور النشر في هولندا أعلنت إفلاسها أو تحولتإلى كافيهات للمير واجنا والحشيشة، فشريحة الشباب المتعلم و التي من المفترض انها الشريحة الأساسيةالقارئة ابتعدت عن القراءة وانشغلت بالعالم الافتراضي  والمتع الزائلة، وقسم كبير من الشباب وجه اهتمامهوجلّ وقته لممارسة المضاربة الإلكترونية  عبر الإنترنت، عالم  اليوم هو علم مخيف ذلك بلا قيم ولا مُثل. التطور الرقمي المذهل هو مقامرة غير مضمونة النتائج علي مستقبل الحياة البشر. لقد توحدت قوى الشرالعالمية مع مراكز الذكاء العالمي  لبرمجة عقول الجيل الناشيء لتسييره  حسب أهواء مجموعة منالمستثمرين العالميين  مختلفي الجنسية الذين توحدوا على  شركات عابرة للقارات.  وعبروا إلى حياةالمجتمعات لاستغالها لصالح فئة عالمية قادرة على تحريك المجتمعات  البشرية عن طريق طرح تطبيقاتوبرامج رقمية تساهم بتغييب وعي الفئة الشابة وجرفها وفق التيار المرسوم لهم

كل ذلك من أجل تكريس طبقة محددة في العالم للسيطرة على مقدرات الشعوب أما الشريحة التي تهتمبشراء كتاب جديد فهي ذات الشريحة العمرية  التي عاشت في مرحلة بداية الثورة الرقمية، التي ما زالتتقرأ وتلك الشريحة أصبحت قليلة ومحددة


مشاركة المقال :