نسرين حمزة
كان قدوم العام الدراسي في العراق خلال عقود مضت مناسبة تحمل شيئاً من الفرح أكثر من القلق لم تكن العائلة العراقية تستقبل المدارس وهي تحسب كلفة الدفاتر والكتب والقرطاسية والملابس وأجور الدروس الخصوصية ولم يكن الأب والأم يشعران أن بداية الدراسة تعني بداية موسم جديد من الالتزامات المالية
في ثمانينيات القرن الماضي كانت المدرسة تؤدي دورها بصورة أكثر وضوحاً فالكتاب المدرسي جزء من المنظومة التعليمية والقرطاسية متوفرة للطالب والمعلم يحتل مكانة اجتماعية ومهنية تليق برسالته لم تكن الصورة مثالية بكل تفاصيلها فلكل زمن مشكلاته لكن الفرق يكمن في أن المدرسة كانت المكان الأساسي الذي يتلقى فيه الطالب تعليمه
أما اليوم فقد أصبح الدرس الخصوصي في كثير من الحالات عبئاً يكاد يكون إلزامياً على الأسرة وليس خياراً يلجأ إليه الطالب عند مواجهة صعوبة في مادة معينة وهنا يبرز السؤال إذا كان الطالب يحتاج إلى أن يدفع للمدرس كي يحصل على شرح كافٍ للمادة التي يفترض أن يتعلمها داخل المدرسة فما الذي بقي من وظيفة المدرسة؟
الأخطر أن المشكلة لا تقف عند حدود المال عندما يشعر الطالب أن النجاح مرتبط بقدرته على الدفع وأن التفوق يحتاج إلى درس إضافي خارج المدرسة يتحول التعليم من قيمة ومعرفة وبناء شخصية إلى معادلة بسيطة ادفع أكثر تحصل على فرصة أفضل وهذا التحول يضرب مبدأ تكافؤ الفرص فطالب تستطيع أسرته دفع مبالغ كبيرة للدروس الخصوصية لا يعيش الظروف التعليمية نفسها التي يعيشها طالب آخر يعتمد على المدرسة وكتابه ودفتره
أما المعلم فلا يمكن وضع الجميع في سلة واحدة فهناك معلمون ما زالوا يؤدون رسالتهم بإخلاص ويقاومون ظروفاً صعبة لكن النظام الذي لا يوفر للمعلم دخلاً مناسباً وبيئة عمل مستقرة قد يدفع بعضهم إلى البحث عن مورد إضافي وهنا تصبح القضية أكبر من اتهام فرد أو تبرئة فرد إنها قضية نظام تعليمي كامل يحتاج إلى مراجعة
كانت المدرسة العراقية في مراحل سابقة جزءاً من مشروع بناء الإنسان وخرجت منها أجيال حملت العلم إلى الجامعات والدوائر والمصانع والمستشفيات ومؤسسات الدولة وكان للمعلم حضور يتجاوز حدود السبورة والكتاب أما اليوم فإن اختزال التعليم في الدرجات وتحويل بعض المواد إلى سوق للدروس الخصوصية وربط النجاح بحجم الإنفاق كلها مؤشرات تستحق التوقف عندها
ما نحتاجه ليس مجرد تغيير المناهج أو زيادة عدد الكتب وإنما إعادة الاعتبار إلى المدرسة نفسها مدرسة يدخلها الطالب وهو يعرف أن حقه في التعليم لا يتوقف على قدرة والده المالية ومعلم يشعر أن راتبه ومكانته الاجتماعية يحفظان له كرامته فلا يضطر إلى تحويل ما يفترض أن يكون واجبه داخل الصف إلى خدمة مدفوعة خارجه وأسرة تستقبل العام الدراسي وهي تفكر في مستقبل أبنائها لا في فاتورة الدروس الخصوصية
إن الحنين إلى مدرسة الأمس ليس حنيناً إلى الماضي لمجرد أنه ماضٍ وإنما هو سؤال عن الأشياء التي فقدناها ونحن نركض خلف تعقيدات الحياة الحديثة فحين يصبح التعليم سلعة يخسر الفقير فرصة ويخسر المجتمع تكافؤ الفرص
وإذا أردنا أن نعرف من أين يبدأ الإصلاح فلعل البداية تكون من سؤال بسيط هل تستطيع المدرسة العراقية اليوم أن تمنح الطالب حقه الكامل في التعليم داخل أسوارها دون أن يكون المال طريقاً إلى النجاح؟ إذا كانت الإجابة لا فالمشكلة ليست في الطالب وحده ولا في المعلم وحده ولا في الأسرة وحدها المشكلة في منظومة تعليمية تحتاج إلى أن تستعيد وظيفتها الأساسية أن تصنع الإنسان لا أن تصنع فاتورة
