كتب المحرر السياسي للمستقل :
الفريق د. محمد العسكري.
المتتبع للمواجهة الأمريكية الإيرانية منذ أكثر من (5) أشهر إلى الآن، يلاحظ أن الصراع من الناحيةالعملياتية هي مواجهة جوية بحرية فقط، هدفها تقويض القدرات العسكرية والتأثير على الاقتصادوضرب البنى التحتية. ومن الناحية الاستراتيجية، فإن الجانب الامريكي خطط لتكون مواجهة احتوائية،والعمل وفق مبدأ التهديد المحدود. ومن الطرف الآخر فإن إيران تطبق استراتيجية حرب الاستنزافلمواجهة عدو يفوقها قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة لا يمكن مواجهته بصورة مباشرة.
ففي العقيدة العسكرية الأمريكية هناك مفاهيم وثوابت تعمل عليها القيادات العسكرية الأمريكية فيالمواجهات المتعددة التي شنتها مع دول عديدة. وأجرت عليها تحديثات تتناسب مع تطورات الحربالحديثة والثورة التكنولوجية الهائلة والذكاء الاصطناعي الذي بدأ يسيطر على معظم الخططوالاستراتيجيات العسكرية تستوحي الولايات المتحدة الأمريكية في استراتيجية الاحتواء على مذكرة رقم(68) للأمن القومي الأمريكي، والتي تقتضي بأن تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية قدراتها العسكريةوالاقتصادية والسياسية من أجل الحفاظ على الهيمنة الأمريكية واستمرارية إدامة تفوقها العسكري فيالعالم من خلال استخدام وتفعيل كافة الوسائل المعلنة والمخفية لتحقيق أهدافها. واستمرت في تنفيذهذه الاستراتيجية وأضافت عليها الشرعية بذريعة حق الدفاع عن النفس.
وأهم مرتكزات هذه الاستراتيجية:
أولًا : الرد الانتقامي أو المدمر
أو الشامل، كما حدث ذلك عندما استخدمت القوات الأمريكية قدراتها في احتلال أفغانستان والعراق.
ثانيًا: الردع المرن أو الرد المرن، والذي بدأ يستخدم عوضًا أو بديلاً عن الرد الصارم أو الانتقامي في اعلاهكما يطبق الآن في المواجهة مع إيران في منطقة الخليج العربي.
ثالثًا: الحرب المتدرجة،
وتعتمد بشكل رئيسي على صد نشاط العدو وكبح نفوذه الاستراتيجي من خلال تطبيق استراتيجية الحربالمتدرجة في تصعيدها، وذلك من خلال (النظرية التناسبية) في المواجهة، أي التعامل مع قدرات ونشاطوسلوك المقابل بقدر الخطوات التي يتخذها وحجم الأسلحة والتهديد الذي يمارسه في المواجهة. إنهذه المرتكزات نُفذ معظمها في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران،
رابعًا: استراتيجية الضغط. المحسوبة.
مارست الولايات المتحدة الأمريكية نوعًا وحجمًا معينين من الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكريةوالإعلامية وغيرها على إيران من أجل الحصول على مكتسبات محددة والعمل على انصياعها حتى تصلالى مرحلة التجاوب المطلوب
ولن يهدف هذا الإجراء إلى تدمير أو تفكيك مصالح إيران. بشكل كامل، مما يؤدي إلى التمادي وعدمالاستجابة بتحقيق ما تم التخطيط له من أهداف معينة أو الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي. وتكونالضغوطات محسوبة بعقلانية ودقة متناهية حسب المفهوم الأمريكي، بحيث لا يؤدي إلى انهيار الوضعالأمني بشكل كامل كما حدث سابقا في أفغانستان والعراق. وهذا ما يتم العمل به الآن في المواجهةالمستمرة مع إيران. أي بمعنى أن الولايات المتحدة الأمريكية استفادت من أخطائها السابقة في الساحةالاسيوية
وعمدت على عدم وضع إيران في زاوية ضيقة تجبرها على اتخاذ قرارات متهورة، وجعلها تقتنع بأنها تدافعفي الخط الأخير، بمعنى ليس لديها خيار سوى الحياة أو الموت. وعملوا أن يكون الضغط على شكلموجات محددة لا تصل إلى الاجتياح الشامل أو الكاسح كما مورست هذه الأساليب من خلال الحصارالاقتصادي وضرب أهداف منتقاة وهذا ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا ضد روسيابفرض عقوبات وحصار اقتصادي منذ عام 1914م بسبب الحرب الأوكرانية. فلذلك عمدت الولاياتالمتحدة الأمريكية إلى تطبيق هذه الاستراتيجية ضد إيران، ولكن الملفت للنظر أن حرب الفواصل، فمنذ28 يناير من العام الحالي بدأت المواجهه الاولى (12) يوماً تبعها فاصل اي هدنه ثم مواجهه ثانيةاستمرت (39) يوماً من عمليات تجريد وتفوق جوي وبحري
وبالمقابل قامت إيران بضرب المصالح الأمريكية في دول الخليج العربي وبعض الدول العربية الأخرىالتي تعتقد إيران أنها تأوي قواعد ومصالح أمريكية. ثم هدنة وتوقيع مذكرة سلام في سويسرا لمدة (60) يومًا، وخُرقت الهدنة منذ الأسبوع الماضي، حيث تجددت المواجهة من جديد وزادت موجات الضرباتالأمريكية لتشمل موجات عنيفة، واتخاذ إجراءات لم يسبق لها سابقًا استخدامها نتيجةً لتعرضها إلىانتقادات حادة داخلية وخارجية. بسبب عدم قدرتها على حسم المعركة، وحتى تمكنها من فتح مضيقهرمز، والذي تسبب بأزمة اقتصادية خانقة لمعظم دول العالم. مما جعلها تقوم بأعمال تكثيف وتوسيعبنك الأهداف المستهدفة داخل الأراضي والسواحل الإيرانية، حتى شمل معظم الساحل الجنوبي الغربيمن إيران، وضرب أهداف غاية في الأهمية من منظومات الدفاع الجوي ومنصات صواريخ وأبراج مراقبةفي بندر عباس وجزيرة خارك ومدينة بوشهر وجزيرة قشم وبندر خمير. ثم تطورت الاستهدافات بضربأكثر من ستة جسور في هرمزغان وضرب مقرات وضرب مطارات مثل إيرانشهر وقواعد جوية وبحرية،وكذلك إصابة الجسر الرابط بين بندر عباس وبوشهر.
وتوسعت إلى ضرب محطات طاقة في منطقة الحميدية في الأحواز. وهناك أنباء عن التفكير الجديبضرب جبل الفأس، الذي يُعتقد أنه يحتوي على بعض المصانع للأسلحة النووية الإيرانية في الشمال منإيران. واستخدمت لأول مرة الولايات المتحدة الأمريكية الزوارق المسيرة الغير مأهولة، والتي يصل مداهاإلى أكثر من 180 كم وتحمل حوالي نصف طن من المتفجرات مع التجهيزات وبسرعة اكثر من 60 كموالتي استهدفت الموانئ الإيرانية على الساحل الجنوبي الغربي. وكذلك قيام الولايات المتحدة الأمريكيةبتحريك أكثر من 70 طائرة خاصة بتزوّد بالوقود إلى القواعد العسكرية في الكيان الصهيوني، وهذا ممايرجح أنها قد تقوم بعمليات قصف للمفاعلات النووية الإيرانية. ولكن تبقى هذه المواجهة خارج كلالحسابات العسكرية والاستراتيجية، إنها مواجهة معقدة، وحرب هجينة وغير محسومة، وتحتاج بين فترةوأخرى إلى هدنة، أي فاصل لالتقاط الأنفاس وإعادة الحسابات وتصحيح السلبيات والأخطاء، ثم تتواصلبعد أن يعجز الطرفان عن تحقيق مأربهم في التفاوض.
وبذلك، تأتي الحروب الحديثة بدروس ومفاجآت تؤثر على توازن القوى وعلى الاستخدامات العسكرية فيالمستقبل
