بغداد والأربعين حرامي

الكاتب والصحفي أ.هاشم ذياب الجنابي

في الموروث الشعبي العراقي. ارتبطت حكايات ألف ليلة وليلة برحلات السندباد ومغامراته. لكن حلقة بغداد والأربعين حرامي ظلت الأقرب لواقع عاشه العراقيون طوال العقود الماضية. غير أن الأربعين حرامي في النسخة الحديثة لم يعودوا قطاع طرق يختبئون في مغارات الجبال بل استبدلوا الكهوف بمكاتب فخمة في دوائر الدولة، وتحصنوا خلف هويات سياسية ونفوذ حزبي أتاح لهم نهب ثروات لؤلؤة دجلة.لكن المشهد يشهد اليوم تحولا دراماتيكيا، فلم تعد كلمة السر حكرا على الفاسدين لفتح خزائن البلاد بل أصبحت الدولة هي من تملك مفتاح المغارة عبر عمليات نوعية غير مسبوقة تشنها الأجهزة الرقابية والأمنية للإطاحة برؤوس الفساد الكبيرة.و

لفترات طويلة.كان الاعتقاد السائد أن الحيتان الكبيرة من السياسيين والمسؤولين التنفيذيين فوق القانون محتمين بالمحاصصة وشبكات المصالح المتبادلة. إلا أن العمليات الأخيرة التي نفذتها الحكومة العراقية بالتعاون مع هيئة النزاهة والقضاء شكلت صدمة للمنظومة الفاسدة.

لم تعد الإجراءات تقتصر على صغار الموظفين. بل طالت عمليات المداهمة والاعتقال المباشر وزراء سابقين. ومستشارين ومديرين عامين في وزارات سيادية كالنفط والتجارة والدفاع. بالإضافة إلى متنفذين في مجالس المحافظات. هذه الضربات الاستباقية والنوعية تميزت بعنصر المفاجأة والاعتماد على أدلة رقمية وتتبع دقيق للأموال المهربة، مما حال دون تمكن هؤلاء الحرامية من الهروب أو الاحتماء بجهاتهم السياسية.و تجفيف منابع المغارة

تأتي هذه الحملة الصارمة كارتداد طبيعي لملفات فساد كبرى هزت الرأي العام. مثل سرقة القرن وما تلاها من كشف لشبكات تزوير وتلاعب في عقود الدولة والمشاريع الاستثمارية الوهمية.

الحكومة العراقية أدركت أن مواجهة الأربعين حرامي لا تتم بالخطابات، بل بتجفيف منابع تمويلهم. لذا ركزت العمليات النوعية على تفكيك شبكات الابتزاز التي يديرها مسؤولون داخل دوائر الدولة لتعطيل المعاملات والمشاريع واستخلاص الرشاوى. واسترداد الأموال المهربة بالتنسيق مع الشرطة الدولية الإنتربول. وملاحقة الفاسدين حتى خارج الحدود لإيصال رسالة واضحة وهي لا ملجأ للسارق. وإن طال الزمن.ليت السندباد يرى بغداد اليوم لو عاد السندباد في رحلة اخرى إلى بغداد. لوجد أن المدينة بدأت تنفض غبار السنين الحزينة. وأن الأربعين حرامي الذين تقاسموا كعكتها وتسببوا في حرمان شبابها من الاشتراك في الإعمار والتنمية لبلدهم ..هم يساقون اليوم إلى العدالة خلف القضبان.

إن استمرار هذه العمليات النوعية وبنفس الوتيرة والقوة دون الرضوخ للضغوطات السياسية .هو الكفيل الوحيد بإعادة بناء ثقة المواطن بدولته. فالشعب العراقي الذي شبع وعودا. يرى اليوم في تقييد أيدي الفاسدين البداية الحقيقية لاسترداد هيبة الدولة. وكتابة خاتمة عادلة لقصة بغداد والأربعين حرامي لتبدأ حقبة جديدة عنوانها الجديد القانون فوق الجميع.


مشاركة المقال :