يـــحــــيــــى رعــــــــد
حينما كنت أرى في صغري مريضاً يذهب إلى المستشفى، كنت أظن أن الطريق واضح وبسيط، يمرض الإنسان فيذهب إلى الطبيب، يفحصه، يكتب له الدواء، ثم يعود إلى بيته وقد خفّ عنه الوجع ولو قليلاً. ولم أكن أدري أن المرض في بلداننا لا يدخل الجسد وحده، بل يتبعه الذعر إلى البيت؛ ذعر يتسلل مع تفاصيل التكلفة، وأجرة الأطباء، والبحث المضني عن الدواء الغالي أو المفقود، وتلك اللحظة القاسية التي تقف فيها العائلة حائرة، لا تدري مَنْ تسأل أو كيف تنقذ مريضها.
أتأمل هذا اليوم وأنا أتابع مناشدات المرضى على مواقع التواصل الاجتماعي؛ أطفال ينتظرون عمليات جراحية، ونساء يطلبن الاستشفاء في الخارج، وشباب أقعدتهم العِلل، وعائلات تعرض صور مرضاها وهي تستغيث. لقد تحولت حياة الناس إلى منشورات تنتظر مشاركة هنا، وتعليقاً هناك، وتبرعاً يجمعونه من المنصات الرقمية.
إلى متى يبقى المريض العراقي يشرح وجعه للغرباء كي يعيش؟ وإلى متى تتحول كرامة الإنسان إلى مناشدة؟ وإلى متى تبقى المداواة في العراق امتحاناً قاسياً، بدلاً من أن تكون حقاً طبيعياً ومكفولاً للمواطنين؟
نحن نعرف أن في شعبنا خيراً كثيراً، وأن العراقيين يمدّون أيديهم لبعضهم وقت الشدة، وكم من حملة تبرع أنقذت مريضاً، وكم من عائلة وجدت في نخوة الناس فرجاً. لكن السؤال الذي يوجع القلب والعقل معاً: هل تُبنى حياة الناس على الهبات وحدها؟ وهل يجوز أن يصبح أهل الخير بديلاً عن وزارة الصحة، والتأمين الصحي، والضمان الاجتماعي، والمؤسسات الرسمية؟
الذي يحدث اليوم هو خلل عميق في المنظومة التي تترك مواطنيها في مواجهة مصير قاسٍ. العامل البسيط إذا مرض انقطع رزقه، وسائق الأجرة إذا دخل المستشفى توقفت حياة عائلته، والموظف الصغير يضطر لبيع ممتلكاته، والكاسب اليومي يقع تحت طائلة الديون والانتظار الطويل.
أين التأمين الصحي الذي نسمع عنه في التصريحات؟ وأين الضمان الاجتماعي الذي يحفظ كرامة العمال والكسبة؟ وأين أصحاب القرار حين تتحول غرفة المريض إلى مجلس عائلي حزين لحساب الديون وفواتير المستشفيات؟
لقد صار المرض في العراق يكشف حقيقة الوجع من التكلفة الباهظة، ومن الطريق الطويل الممتد بين عيادة الطبيب والصيدلية والمختبر وغرفة العمليات؛ الخوف من أن يكون ثمن الشفاء سبباً في خراب البيوت، واضطرار الإنسان لطلب المساعدة بعد عمر قضاه مستوراً.
الفاجعة الأكبر هي أن المريض يواجه شعوراً بأنه متروك وحيداً، بلا نظام يحميه، ولا قانون يسانده، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام فاتورة لا يقدر عليها، ودواء لا يستطيع شراءه، ومسؤول لا يسمع صوته إلا إذا تحولت مأساته إلى قضية رأي عام.
إن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت هي المستشفى الفعلي، وصندوق الضمان، والوزارة البديلة. لكن الشعوب لا تعيش على الاستغاثات المستمرة، ولا يمكن لوطن كامل أن يعلّق حياة مرضاه على الصدفة، مَنْ تنتشر قصته ينجو، ومَنْ لا تصل صرخته يطويه النسيان.
العراق بحاجة إلى مشروع حقيقي؛ تأمين صحي شامل يضمن المداواة للمواطن، وضمان اجتماعي يحمي العامل والعاجز والشيخ والفقير، ونظام يحفظ للأهالي كرامتهم وممتلكاتهم عند أبواب العمليات. نريد سلطة لا تترك المواطن يبحث عن ثمن الدواء في جيوب الناس، ولا تجعل الأم تنتظر إحساناً كي تعالج طفلها، ولا تجعل الأب ينكسر أمام أطفاله لأنه لا يملك أجور الفحص والتحاليل.
لقد تعب العراقي من الكلام الكثير، والوعود، وصور المسؤولين، والمؤتمرات التي تتحدث عن الإنسان دون أن تلمس واقعه. الإنسان لا يريد خطبة عن حقوقه، يريد حقه كاملاً حين يمرض، وحين يعجز، وحين تضيق به الحياة.
قيمة أي نظام تظهر بوضوح عند النظر إلى عائلة متكدسة على باب مستشفى عام، تنتظر دوراً لا يأتي، وتبحث عن دواء غير موجود، وتواجه حقيقة عارية تبدأ وتنتهي عند الاضطرار لبيع فراش البيت لشراء حياة.
