شيّال المحبس / نعمان الغزي

 

نعمان الغزي / لندن
في دهاليز السياسة العراقية المزدحمة بالوجوه والتحالفات، يقف الإطار التنسيقي اليوم كخيمة كبرى تظلل استحقاقات المكون الأكبر، لكن خلف ستار هذه الخيمة ثمة حكايات لم يجرؤ الإعلام عن إعلانها، حيث يختلط النفاق بالخوف والخذلان في مشهد سريالي يعكس أزمة الثقة بالرجل القوي.
وفي لقاء جمعني في لندن بزميلي الإعلامي الدكتور علاء الخطيب، دار بيننا حديث ذو شجون عن مآلات الوضع السياسي، فنقل لي حواراً كاشفاً إذ سأل يوماً السيد محمد بحر العلوم رحمه الله عن رأيه في السيد نوري المالكي، فصمت الرجل قليلاً ثم قال : ” ما عدنه غيره شيَّال محبس” . وهذه إشارة للعبة الشعبية العراقية التي تلعب في شهر رمضان ” المحيبس ”
وهذا الوصف في الموروث الشعبي العراقي لا يُطلق إلا على الرجل القوي الذي لا يعرف الخوف ، ومنن يمتلك الفراسة، والقدرة على كشف المستور، و صاحب الحزم في إدارة أصعب المواقف، وهو ما يفسر جوهر الصراع الراهن؛ فقصة ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء لم تكن مجرد تنافس على منصب، بل كانت اختباراً للصراحة السياسية كشف زيف التوافقات. فعندما أيدت عشرة أصوات من أصل اثني عشر صوتاً داخل الإطار هذا الترشيح، كان تحفظ الصوتيين المتبقيين بمثابة فوبيا من عودة الحزم الذي يمثله المالكي؛ ذلك الرجل الذي لا يجامل على حساب العراق، ويمتلك القدرة على إعادة الكثيرين إلى حجمهم الطبيعي.
إن هذا التردد لا يجد له مبرراً منطقياً سوى الخشية من نجاح أبو الخبزة ، الشخصية التي يتمسك بها الشارع ويرى فيها الضمانة الوحيدة لاسترداد هيبة الدولة ولقمة عيش الفقراء، خاصة وأن تجارب الماضي أثبتت أن المالكي لا ينحني للإرادات الخارجية، وهو ما تجلى في فيتو ترامب السابق ضده، والذي يعد تدخلاً سافراً في الشأن الداخلي.
إن المشهد اليوم يذكرنا بقصة إخوة يوسف الذين ضاقوا ذرعاً بتميز أخيهم، ففضلوا الانكفاء خوفاً من ضياع نفوذهم، متناسين أن العراق لا يحتاج اليوم إلى أنصاف حلول، بل يحتاج إلى شيّال المحبس الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ليبقى السؤال القائم متى ينتبه هؤلاء لمصالحهم ويغادرون مربع التخوف من القائد الذي لا يهادن؟


مشاركة المقال :