د علي قاسم
خلف القضبان، أجد نفسي بعمر الستين، لكن بروح يافعة لم تذق طعم الثلاثين ولا مرارة الأربعين. أرى زاوية النور، وأتأمل الخيال كأنني أرى الصباح، لكن السكون في داخلي يذكّرني أنني عشت الحزن أكثر مما ينبغي. لم أعرف ألم الشيخوخة في العشرين، ولا مرارة الكهولة في الثلاثين. لم أرَ طفلًا يصرخ حيًّا، ولا أبًا ينتظر ولده الذي لا يعود. كأن الزمن قفز بي مباشرة إلى كهولة الستين، تاركًا فراغًا في محطات العمر التي لم أعشها.
من خلف نافذة السجن، أسمع هتافات متناقضة؛ بعضها يرتفع ليبني، وبعضها ينهض لينتفع. يُقال للكهل: “أنت لا تنتمي لطائفتهم، اعتن بنفسك واتركهم.” وهنا يبدأ السؤال المؤلم: هل نحن أبناء وطن واحد، أم أسرى اختلافات تُفرض علينا؟ الهوية تصبح صراعًا داخليًا بين الانتماء للوطن وبين الانقسام الذي يزرعه الآخرون. وحين يسقط الجسد على سرير المرض، يظن المرء أن النهاية اقتربت. لكن الطبيب يبتسم ويقول: “كل شيء متوفر لك، الفحص والعملية مجانية.” هنا يتحول الألم الشخصي إلى أمل جماعي؛ فالوطن الذي كان غارقًا في الفتن بدأ يستعيد قوته بسلاح العلم والحكمة، لا بسلاح الحرب والدمار.
الطبيب يذكّرنا أن المرحلة قد مضت، وأن العراق اليوم يقوى على العيش وحده. لم يعد للتطرف مكان، ولا للصرخات الزائلة قيمة. الدين واحد، الانتماء واحد، والهوية عراقية عربية لا تتجزأ. نحن أبناء شمال وجنوب ووسط، كتب علينا أن نكون عراقيين أولًا، ثم عربًا، ثم مسلمين متوحدين بالسلام. الرسالة واضحة: نحن يد واحدة، دين واحد، فرح وحزن واحد. بهذا اليقين، نصبح قادرين على مواجهة الفتن، ونبني وطنًا يليق بأبنائه.
أغفو تحت التخدير بفرح، كأنني يافع لا كهلاً. لكن حين أصحو، أجد نفسي ما زلت خلف القضبان، بعمر الستين، لم أعش الثلاثين، ولم أمر بمحطاتها. ومع ذلك، يبقى الأمل أن النور الذي يطل من زاويتي سيقودني يومًا إلى حرية الروح، وإلى عراقٍ ينهض بعلم وحكمة ووحدة لا تنكسر.
