لماذا نخشى الحرية؟

نهلة الدراجي

 

لطالما سجل تاريخ العبودية في الكتب بوصفه صراعاً بين سوط و جسد، وبين سيد يملك و عبد يملك. ولكن، حين ننزع القشرة التاريخية عن هذا المفهوم نكتشف أن العبودية ليست مجرد حقبة زمنية ولت برفع السلاسل، بل هي (حالة وجودية) كامنة في طبيعة البشر تتغير أشكالها وتبقى دوافعها وجوهرها ثابتاً.

العبودية التقليدية كانت واضحة، قاسية، وسهلة التعريف فيما اليوم تطورت العبودية لتصبح (ناعمة) ومستترة. يمكننا ان نطلق عليها العبودية المعاصرة فهي تكمن في خضوع العقل للأيديولوجيا المعلبة وفي استسلام الإرادة لسطوة الاستهلاك، وفي ارتهان الحرية الفردية لإرضاء (القطيع).

نعيش اليوم والعبد لا يساق بالعصا، بل يساق بالرغبة يساق عبر شاشات تملي عليه ما يحب وما يكره وما يجب أن يكون عليه لكي يقبل اجتماعياً. هذه هي (العبودية الطوعية) حيث يصنع الإنسان قيده بيده ويسميه “انتماءً” أو “مواكبة”.

ثمة جانب مظلم في النفس البشرية يخشى الفراغ الذي تخلفه الحرية.. الحرية تعني المسؤولية، والمسؤولية تعني القلق. لذا، يميل الكثيرون إلى البحث عن سيد أيا كان شكله (زعيم، مذهب، فكرة متعصبة، أو حتى وظيفة خانقة).

هذا الارتهان يمنح الإنسان شعوراً زائفاً بالأمان فالسيد أو القائد هو من يقرر، ومن يحمل عبء التفكير ومن يرسم خارطة الطريق. هنا تتحول العبودية من حالة قهر خارجي إلى (آلية دفاعية) يحتمي بها المرء من رعب مواجهة العالم وحيداً وأعزلاً من التبعية.

يقول الفيلسوف الألماني (غوته) “ليس هناك من هو أكثر عبودية من ذلك الذي يظن نفسه حراً وهو مقيد في الأغلال”.

العبودية هنا هي الضياع بين الذات والعالم. هي أن تصبح صدى لصوت آخر ومرآة لملامح غيرك دون أن تجرؤ على صياغة “أناك” الخاصة.

التاريخ لا يذكر العبيد في صفحات السادة، أما الأحرار فهم من يكتبون المتن وان العبودية هي حالة من “الموت السريري للروح”، حيث يعمل الجسد وتتوقف الإرادة

وأن الخبز الذي نأكله بكرامتنا أشهى من “ولائم التبعية” للاسياد

ويبقى السؤال الوجودي معلقا مع اشراقة كل جيل: هل نملك الشجاعة لنكون أنفسنا بمرارة الحرية، أم نفضل أن نكون (نسخاً مكررة) بحلاوة التبعية؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كنا بشراً أحياء، أم مجرد أشباح تسير في موكب الزمان.


مشاركة المقال :