المتحف البغدادي معلم سياحي يكاد يندثر / فاطمة الراوي

المستقل – تحقيق فاطمة الراوي

على ضفاف دجلة الخير والى جانب شارع المتنبي، الذي يعبق بالثقافة  والفكر والشعر  ينتصب مبناً  تراثياً يعود للعهد العثماني، يتناسب وثيمة ما يمثله من تراث وعادات وتقاليد قديمة تعكس أنماط الحياة لدى البغداديين القدماء.

المتحف البغدادي ، الذي  يقف شاهداً على حياة مدينةٍ لا تُختزل بالحروب، بل تعرف بثقافتها ورموزها وسكانها وحكاياتهم اليومية.  ومن اجل حفظ تراث المدينة  شهدت سبعينيات القرن الماضي ولادة متحفايعكس حياة البغداديين وانماط معيشتهم الماضية ، اعتمد القائمون عليه أسلوب المشاهد المجسّمة(الديوراما) التي تُجسّد تفاصيل الحياة البغدادية: المقاهي، الأسواق، الحمّامات الشعبية، المدارسالدينية، والمهن القديمة.ويضم المتحف عشرات المشاهد التي تحاكي حياة البغداديين في القرنينالتاسع عشر وبدايات العشرين، مستخدمًا تماثيل شمعية بملابس أصلية وأدوات تراثية حقيقية. منالچايخانة إلى الكتّاب، ومن حفلات الأعراس إلى طقوس العزاء، يقدّم المتحف سردًا بصريًا لهوية المدينةالاجتماعية، بعيدًا عن الخطاب الرسمي الجامد.

” المستقل ” زارت المتحف، لتقف على تاريخه وماهيته و التحديات التي تواجهه، في ظل الظروف التي مرت بها  مدينة السلام .

وضمن تجوالنا في اروقة المتحف ، التقينا احد المشرفين ليحدثنا عن المتحف فقال : المتحف ليس كما يظن البعض تماثيل صامتة، فكل مشهد هنا يحكي قصة بيتٍ أو زقاق أو مهنة اندثرت» ومن ضمنالقصص الشعبية التي سردها لنا «قصة ام ابراهيم» وهي قصة تجسّد صورة المرأة البغداديةالمكافحة التي حملت مسؤولية بيتها وربّت ابنها على القيم والأخلاق، لتغدو رمزًا للحكمة الشعبية وقوةالمرأة في المجتمع البغدادي القديم.

ثم حدثنا عن المهن والعلاقات الاجتماعية السائدة آنذاك.

لكن ما  يشعر بالحزن والأسف هو معاناة المتحف من تحديات مزمنة، وعدم اهتمام  حكومي ، و ضعفالتمويل، وانعدام الصيانة، محدودية التحديث التقني، وقلة الترويج السياحي.

ويقول احد الموظفين ان المتحف تعرض لمشاكل عديدة خلال فترات الاضطراب الأمني،  فقد تعرّضللإغلاق المتكرر، ما أثّر في بنيته ومقتنياته. ومع ذلك،  لكن السنوات الأخيرة شهدت مبادرات فرديةلإعادة الاعتبار للمتحف، شملت حملات صيانة جزئية، وتنظيم زيارات مدرسية وثقافية. وبرايي المتحفبحاجة إلى خطة مستدامة، لا ترميمات إسعافية فقط.

المتحف في عيون الزائرين

والتقينا بمجموعة من زوار المتحف ، وكان سؤالنا لهم عن زيارتهم ،   قالوا  بأنها رحلة لاكتشاف ماضي بغداد  وطيبة اهلها ، التي سمعنا عنها من الأجداد.

وفي سؤال عن رأيهم بالزيارة كان جواب احدهم :  ان نقص الإرشاد التفاعلي و  ضعف الخدمات المقدمةوكذلك شمل البناية التي تكاد تندثر ، بالإضافة إلى ملحقات البناية والوسائط الرقمية التي يمكن أن تجعلالزيارة أكثر حيوية، خاصة للشباب.

توجهنا بعد ذلك  للقاء مدير المتحف البغدادي. الاستاذ باسم العنزي، ليطلعنا على  اهم التحديات التي تواجه المتحف.

رحب السيد المدير بنا وحدثنا عن اهمية المتحف من حيث  الواقع الاجتماعي قائلاً : المتحف هو جسر واصل بين الماضي والحاضر ، وهو امتداد لحقب زمنية من تاريخ هذه المدينة العريقة .

و واصل كلامه بالقول : “نحن نسعى إلى إعادة إحياء تراث الآباء والأجداد، وتعريف الناس بصورة بغدادفي العهد القديم ولاسيما في العهد الملكي، حين كانت للخاتون هيبتها، وللباشا مكانته، وللبغداديالأفندي أناقته، بأزيائهم الجميلة التي ميّزت بغداد عن غيرها، في وقتٍ لم تكن فيه كثير من الدولالعربية تمتلك زيًا تقليديًا واضح المعالم. كما نُبرز ملامح الأزياء البغدادية، كالسيدارة البغدادية أوالفيصلية و اوضح لنا لماذا صممت السدارة ؟وذكر ان تصميم السدارة الفيصلية جاء في مرحلة انتقال العراق من العهد العثماني إلى الهيمنة البريطانية، فكان لا بدّ من إيجاد زيٍّ وطني جديد يعبّر عن الهويةالعراقية المستقلة. هذا ما فكّر به الملك فيصل الأول، إذ كلّف أحد كبار الفنانين الإيطاليين بتصميم زيّيرتديه العراقي ويميّزه عن غيره. فجاءت السيدارة، وهي مفردة ذات أصل إيطالي، لتُعرف لاحقًا باسمالفيصلية.

واشار. الاستاذ باسم إن هدف  القائمين على المتحف  هو مواكبة المجتمع، واستحضار جمال وطيبةالعهد القديم قبل الانقلابات العسكرية، حين كانت الحياة المدنية مزدهرة، والقوانين نافذة، والدولةقائمة على أسس قانونية واضحة.

وإضافة إلى ذلك، نحمل هدفًا ساميًا يتمثّل في محاولة الوصول إلى قلوب الشباب، وبناء وعيٍ جديديعرّفهم بالتراث وتاريخ العراق المعاصر. كما نسعى إلى الإسهام في إصلاح ما فسد في المجتمع، عبرالنقد والمعالجة الواعية لكل الظواهر التي تُعدّ نشاطًا مؤثرًا في المجتمع العراقي،بما في ذلك بعضالآليات والممارسات الحكومية المُؤشَّر عليها، والتي لا تصلح لأن تكون نهجًا حكوميًا في التعامل، ولاسيما في ما يتعلّق بملف طلبة المدارس، ووزارة الصحة، ومستوى الوعي البلدي لدى المواطنين. وهو مايؤكّد أن أمانة بغداد تبذل جهودًا استثنائية وكبيرة في خدمة المدينة، غير أنّ هذه الجهود لا يقابلها فيكثير من الأحيان وعيٌ مجتمعي أو مساندة حقيقية من المواطنين.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى رفع الوعي العام، والحدّ من الأضرار الجسيمة الناتجة عن رمي النفايات فيالشوارع، والمحافظة على التراث والمناطق التراثية والسياحية، وصون كل ما تزخر به بغداد التراثية. كمانسعى إلى غرس حبّ التراث في نفوس الشباب، والتأكيد على أهمية هذا الموروث الحضاري، انطلاقًا منقناعتنا بأن خدمة المجتمع هي الطريق نحو الإصلاح.

كما التقت المستقل بالأستاذ جاسم سكران مدير شعبة المرافق السياحية للمتحف

سألناه عن الفنون التي تعرض في المتحف ومهمة الشعبة الفنية فقال : “  نحن الشعبة الفنية المسؤولةعن شؤون الفنانين من رسّامين ونحّاتين ومبدعين تشكيليين، ومن واجباتنا داخل المتحف العمل علىتطويره وإضافة لمسات وأعمال فنية تُظهره بصورة أجمل وأكثر إشراقًا” ،  وبطبيعة الحال، يسهم ذلكفي إبراز المتحف بأبهى حلّة، بما يشجّع على زيادة أعداد روّاده، ويتيح لهم التعرّف عن قرب على تراثبغداد، وكيف كان أجدادنا يأكلون ويعيشون ويرتدون ملابسهم، فضلًا عن تفاصيل أخرى من حياتهماليومية.ونحن، بوصفنا الجماعة الفنية، نعمل باستمرار على التفكير في تطوير المتحف بوسائل مختلفة. فعلى سبيل المثال، كانت التماثيل الشمعية في السابق جامدة وغير متحركة، ولإضفاء مزيد من الواقعيةعليها قمنا بإضافة محركات وأجهزة كهربائية تجعلها أقرب إلى المشاهد الحيّة. كما أُضيفت إلى بعضالتماثيل مستشعرات حركة تستجيب لاقتراب الزائر لمسافة تصل إلى ثلاثة أمتار، فتبدأ بالتحرك، ثمتتوقف تلقائيًا عند ابتعاده.

وقد أُنجزت جميع هذه الأعمال بجهود ذاتية وبتمويل خاص، من خلالي وبمساعدة مجموعتي الفنية. ولم يقتصر التطوير على صناعة التماثيل فحسب، بل تمكّنا أيضًا من تصنيع نماذج لسيارات كلاسيكيةتعود إلى زمن الملك فيصل الأول، وهي سيارات كانت تسير في شوارع بغداد عام 1920، ليُعرض هذاالإرث داخل المتحف بوصفه لمسة فنية تُقرّب الزائر من تاريخ المدينة.

وفي ما يخصّ مسألة التمويل، يقول: لو توفّر لنا دعمٌ معنوي وإمكانات أكبر، فإننا قادرون على تنفيذمشاريع أكثر تطورًا، من بينها نصب مصاعد كهربائية داخل المتحف، وإضافة تماثيل كهربائية متحركةتتجول في القاعات، وتصل إلى تمثال المتنبي ثم تعود لاستقبال الزوار. فنحن نمتلك القدرة والخبرة التيتؤهلنا لتطوير المتحف إلى مستويات أعلى وأكثر جذبًا.

في مدينة تتغيّر ملامحها بسرعة، يمثّل المتحف البغدادي مخزونًا للذاكرة الجمعية، ومصدرًا لفهم التنوعالاجتماعي والثقافي. هو مساحة للتصالح مع الماضي، وبوصلة للهوية في زمن التشظّي


مشاركة المقال :