كتب المحرر السياسي للمستقل :
حينما اقدمت السعودية على خطوة مهاجمة القوات والأسلحة الاماراتية في اليمن ، كانت تفهم تماماً ان الخطر قد وصل إلى حدودها وان شيئاً ما يدبر لكسر ارادتها وتفتيتها وخلق الفوضى بداخل المملكة ، لذا قررت أن تضع ثقلها، العسكري و السياسي والاقتصادي، في مواجهة علنية وصريحة مع المشروع التدميري الصهيوني، الذي يسعى إلى تفتيت البلدان العربية ، واستنزاف قوتها وكسر ارادتها .
فهي تعلم علم اليقين ان ما يجري في جنوب اليمن ،ليس خطوة عابرة لدعم اليمنيين ، بل لتأسيس كيان جديد يهدد السعودية وسيكون على حدودها ، لذا لم تكتفي السعودية بسحب القوات الاماراتية من اليمن بل جاء في بيانها الذي قالت فيه “نأمل أن تستجيب دولة الإمارات لطلب اليمن إيقاف أي دعم لأي طرف آخر داخل اليمن”، كما طالب المجلس الإمارات بالاستجابة لطلب اليمن إيقاف أي دعم للمجلس الانتقالي الجنوبي.
فقد نفذت الإمارات شرط السعودية الاول بسحب قواتها من اليمن ، لكنها أبقت على دعم المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، فبعد انسحاب القوات الاماراتية التي ، قالت عنه ابو ظبي انها انسحبت بمحض ارادتها !!!!! ، اعلن حليفها رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي “عيدروس الزبيدي ” عن مرحلة انتقالية لاستقلال جنوب اليمن، وهذه الخطوة الخطيرة تعني قطع الطريق على السعودية بالاعتراض على الكيان الجديد باعتبار ما يحدث في جنوب اليمن هو يمني بحت، لا علاقة للامارات فيه ، لكن السعودية ذات الباع الدبلوماسي الطويل لن تستغفل او تنطلي عليها مثل،هذه الخطوة ، فقد استبقت الاحداث وهي تعلم بنوايا الإمارات ، وسبق ذلك كان انصار الله الحوثيون قد أوصلوا العرض الإماراتي إلى السعودية ، العرض الذي يقضي بضرب مشروع نيوم ، مقابل دعم واعتراف اماراتي بالحوثي ،لذا تواصلت الرياض مع انصار الله. لتحصن وضعها في اليمن ، وهي تعرف ان انصار الله هم القوة المقتدرة في اليمن والذين يسيطرون على العاصمة ، ولدى السعوديون تجربة تعاون مع الحوثي ، قبل الإطاحة بالرئيس السابق ” علي عبد الله صالح “.
من جانب آخر الإمارات لن تستسلم بهذه السهولة ،وتترك الوضع في الجنوب لقمة سائغة للسعودية ، والسبب ان مشروع اليمن الجنوبي مدعوم من اسرائيل ، بل هو اسرائيلي بحت ، اذ ارادت إسرائيل ان تسيطر على باب المندب من خلال ارض الصومال واليمن الجنوبي .
لذا بادرت إسرائيل بالقول انها ستدعم “عيدروس الزبيدي” وستتبادل الاعتراف معه في حال نجح بالانفصال كما فعلت في اعترافها بانفصال اقليم ارض الصومال. وهنا يتضح المشهد. تماما ً ، ويزداد وضوحاً حينما نفهم الهجوم الإعلامي الكبير الذي قامت به إسرائيل ضد الرياض. وواصلت حملات الطعن والتشكيك المتواصل بالمواقف السعودية .
إسرائيل اليوم تراهن على تفتيت الدول العربية ، وتقسيمها ، وتفجير ما تبقى من الدول الهشّة في الإقليم، لكن السعودية ولأول مرة تقف بهذا الوضوح وجهًا لوجه أمام هذا المشروع، لا بالمناورة، بل بالمواجهة.
بعد ان اتضحت النوايا الصهيونية بشكل سافر من خلال تصريحات المسؤولين في تل ابيب، فقد قال الجنرال الإسرائيلي حنان جيفن، رئيس وحدة 8200 الاستخباراتية، صراحة:
أخطر دولة علينا هي السعودية، ثم سوريا.
ليست هذه زلة لسان، بل اعتراف استراتيجي صادر من قلب العقل الاستخباراتي الإسرائيلي.
ان سيطرت اسرائيل على باب المندب يعني خنق السعودية وتهديد امنها القومي وتعريض الملاحة البحرية للخطر، وهو أمر حيوي لصادرات النفط السعودية وخطط التنمية في “رؤية 2030” ¹.
ويكشف ذلك عن تخطيط اسرائيلي لتفتيت الواقع العربي ، كل ذلك لم يخرج إلى العلن ، وان كانت بعض الخطوات تشير إلى تذمر سعودي مما يجري فمثلا بعد الاعتداء الإسرائيلي على ايران ، أبدى ولي العهد السعودي دعمه لإيران بشكل غير مسبوق منذ الثورة الإسلامية عام 1979، مما يشير إلى أن السعودية قد تعيد ترتيب تحالفاتها الإقليمية للحد من المخاطر الأمنية الناجمة عن التصعيد الإسرائيلي ¹.
وما التقارب الإيراني السعودي. بوساطة صينية ، إلا صفحة من صفحات القلق. الذي كان ينتاب المنطقة من النوايا الاسرائيلية .
باختصار، العمليات الإسرائيلية تزيد من الضغوط الأمنية على السعودية من خلال تصعيد المواجهة الإيرانية، تهديد الممرات البحرية الحيوية، ودفع المملكة نحو مناورات دبلوماسية جديدة.
وربما سنشهد في القريب تقارب إيراني سعودي ، وتركي سعودي اكثر قوه ، كما سنشهد تصدع الواقع الخليجي الذي اصبح مترنحاً وأكثر هشاشةً ، بعد ان وضعت كل أوراق اللعب لبعض دول الخليج في السلة الاسرائيلية .
