فاروق الرماحي
في توقيت بالغ الحساسية، ومع اقتراب عراق ما بعد 2003 من مفترق طرق وجودي، فجّر مسؤول عراقي كبير تصريحًا خطيرًا حين كشف أن “إحدى الدول” دفعت مبالغ طائلة لشراء ولاء نحو 100 نائب عراقي، بواقع مليون دولار لكل نائب .
هذا ليس تسويقًا انتخابيًا، ولا تسريبات مجالس، بل فضيحة سياسية بكل المقاييس، تمسّ جوهر السيادة وشرعية النظام التمثيلي في العراق .
فحين تصبح الإرادة النيابية خاضعة للمال الخارجي، فإننا لا نتحدث عن ديمقراطية، بل عن دولة مخترقة من الداخل .
من هي هذه الدولة ؟
ولماذا العراق ؟
لا يحتاج السؤال إلى الكثير من التكهّن .
فالدول المتدخلة في الشأن العراقي باتت معروفة ، إيران، تركيا، الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، قطر…
لكن جوهر السؤال الحقيقي ليس من؟
بل لماذا؟
العراق، بالنسبة للكثير من القوى، ليس سوى رقعة شطرنج مفتوحة، وصندوق مصالح تتزاحم عليه الأيادي .
من يشتري 100 نائب، لا يريد تمثيلًا، بل تحكمًا .
لا يريد قانونًا، بل خضوعًا .
إنها حرب ناعمة تُخاض بأدوات صلبة .
المال، الولاء، والتشويه الإعلامي، لإعادة تشكيل البرلمان على صورة الخارج، لا على صورة الشعب .
أين القضاء؟
ولماذا الصمت؟
هل نحن أمام خيانة عظمى؟
نعم .
بكل وضوح وصراحة .
حين يُباع النائب، تسقط الدولة في الهاوية .
وحين يُشترى صوت البرلمان، يُختطف القرار الوطني .
وهنا نوجه أسئلة خطيرة ؟
أين السلطة القضائية من هذه الجريمة ؟
لماذا لم تُفتح ملفات تحقيق عاجلة ؟
أين هيئة النزاهة، والمحكمة الاتحادية، وقانون الأحزاب ؟
السكوت في هذه الحالة ليس حيادًا، بل تواطؤ بالصمت .
وإذا لم يتحرك القضاء، فإنه يساهم، ولو دون قصد، في شرعنة اختطاف الدولة من داخل مؤسساتها .
حينها تكون الديمقراطية مشوّهة والناخب مكسور .
حين تُمسخ الديمقراطية إلى مزاد علني، وتُختصر النيابة في صفقة، يتحول الناخب إلى متفرّج يائس .
تتكرر المسرحية ذاتها .
تسقيط ممنهج لرموز الغالبية، حملات تشويه منظمة لطرف دون الآخر، في وقت تتغاضى فيه الأجهزة والمؤسسات عن فساد شركاء آخرين .
هذه الازدواجية ليست عبثية، بل مُخطط لها، تهدف إلى إضعاف طرف سياسي، وتعويم طرف آخر، وصولًا إلى تشكيل مشهد انتخابي يخدم مصالح الخارج لا مصلحة الداخل .
حينما تكشف الذمة المالية للمرشح ستكون هناك معيار للشفافية والصدق الوطني .
ومن أبرز الخطوات القانونية التي يجب أن تُنفّذ بصرامة، هي إلزام كل مرشح بكشف ذمته المالية قبل الانتخابات، ثم إلزامه بكشف ذمته بعد انتهاء دورته البرلمانية التي تمتد لأربع سنوات وفق القانون العراقي .
هذا الإجراء ليس شكليًا، بل أحد أعمدة الشفافية والمحاسبة .
فالسياسي الذي يُمثّل الشعب يجب أن يكون نظيف الكف، واضح الحساب، بلا تضخم مشبوه في الثروة، ولا قفز مالي يثير الشبهات .
مطالبة النواب والمرشحين بكشف الذمة المالية يُكرّس مبدأ
أن النيابة تكليف وليس تشريف ومسؤولية، لا غنيمة ولا صفقة .
مقعد البرلمان ملك للشعب، لا يُباع ولا يُشترى .
وهنا نسئل هل مقاطعة الانتخابات
مقاومة أم استسلام ؟
البعض يدعو إلى مقاطعة الانتخابات احتجاجًا على الواقع المزري .
لكن السؤال
هل تغييب الصوت الشعبي هو الحل؟
هل المقاطعة تُسقط الفاسدين، أم تمنحهم فرصًا أوسع؟
هل التغيير يكون بالصناديق، أم بـ (نخربها بكل مافيها ) !
العزوف عن الانتخابات لا يُعاقب الفاسدين، بل يعفيهم من المحاسبة .
والاحتجاج الحقيقي يكون بتنظيم الصوت، لا بكتمه .
ومن الواحب فرض رقابة مالية صارمة على تمويل الأحزاب .
فضح أي تدخل خارجي في العملية الانتخابية .
ومع ذلك، فإن المعركة الحقيقية تبقى داخلية، ويقودها الشعب، والقضاء، والإعلام الحر .
والحلول ستكون بين القضاء والسياسة
وقانونيًا
تجريم أي تمويل خارجي للحملات الانتخابية .
تجريم بيع الأصوات وشراء الولاءات .
سحب عضوية كل من يثبت تورطه، ومنع ترشحه مدى الحياة .
سياسيًا:
بناء جبهة وطنية عابرة للطوائف .
إعادة تعريف مفهوم (المعارضة النيابية)كنواة للرقابة الشعبية ، فالكل مع الحكومة والكل مع المعارضة !!!
دعم الإعلام الاستقصائي لكشف الملفات المالية والسياسية .
وفي النهاية نسئل
من يحمي الدولة؟
حين يتحول النائب إلى صفقة، والدولة إلى غنيمة، والشعب إلى متفرّج، يصبح الوطن على حافة الزوال .
هذه ليست مبالغة، بل جرس إنذار.
وما لم يُكشف الفاعلون، ويُحاسب المشترون والمباعون، فإن العراق يسير بخطى واثقة نحو ديمقراطية شكلية، ونظام فارغ، ودولة بلا سيادة .
إن الوطن لا يُحمى بالصمت، بل بالقانون، والمحاسبة، والإرادة الشعبية اليقظة .
