من مفكرتي الفنية
قحطان جاسم جواد
في عام 1932 حطت ام كلثوم فنانة الاجيال رحالها في عاصمة الرشيد ( بغداد ) بدعوة من العراقيين لاحياء مجموعة من الحفلات الغنائية ، لتغني للعراق وشعبه بصوتها المتفجر عذوبة. وقد كانت قاعة ملهىالهلال في شارع الرشيد تغص بالحاضرين,وللاسف انهارت بناية الملهى قبل فترة وجيزة لتهالكها وعدمالاعتناء بها من قبل اصحابها ولا من الحكومة باعتبارها معلما من معالم بغداد . من ابرز الحضور,اضافة الىرموز القيادات السياسية آنذاك ، شعراء العراق الكبار كالرصافي والزهاوي والشبيبي الذين راحوا يتسابقون في نثر ابيات الشعر مستلهمين شخصية ام كلثوم وصوتها الرنان . فشاعرنا الكبير معروف الرصافي كان في مقدمة الرواد الذين شدهم صوت السيدة, فراح ينصت لغنائها بوجدان الشاعر الحساس وفكره المثقف واندمج مع صوتها بكل جوارحه ثم قال بحقها ابياتاً شعرية جميلة تليق بها وبفنها وبصوتها الرفيع :ـ
وقصيدته التي انشدها لكوكب الشرق هي من القصائد المشهورة للرصافي وموجودة في ديوانه . يقول فيها الرصافي عن سيدة الطرب :ـ
ام كلثوم في فنون الاغاني امة وحدها بهذا الزمان
هي في الشرق وحدها ربة الفن فما ان للفن رب ثان
ذاع من صوتها لها اليوم حيت عم كل الامصار والبلدان
ماتغنت الا وقد سحرتنا بافتتان لها واي افتتان
في الاغاني تمثل الحب تمثيلاً صريحاً بصوتها الفتان
يتجلى في لحنها مشهد الحب ولون الوصال والهجران
هي في مرتقى الاغاريد تعلو حين تشدو ونحن في خطران
اما الشاعر الكبير، الشيخ جواد الشبيبي ، فقد نظم لها قصيدة رائعة بستة وسبعين بيتاً وهي من اجملقصائد الشاعر قال فيها :ـ
قمرية الدوح ياذات الترانيم مع النسور على ورد الردى حومي
سيري مع الجحفل الجرار خافقة وسابقي فوقه سرب القشاعيم
وفي مكان اخر من القصيدة قال :ـ
قمرية الدوح اضحت ارضه يبساً ومزهر الغصن اضحى غير مرهوم
قد كان يمتص ضرع الغيث مندفقاَ فعاد يعطب في برجاء مطوم
تبصري الارض هل قامت مناكبها على اساس قديم غير مهدوم
و كان صوت ام كلثوم صوتاً عذباً ينعش القلوب ويفتح النفوس ويضفي مسحة جمالية تهب على سامعيه لتخلق اجواء نرجسية من الراحة النفسية .وحينما سمعها شاعرنا الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
اعجب بصوتها وطرب لتغريدها فراح يطلق العنان لشعره .. فقال ابياتاً مؤثرة بحق مطربة الاجيال ام كلثوم :ـ
الفن روض انيق غير مسؤوم وانتِ بلبله يا ام كلثوم
لانت اقدر من غنى بقافية لحناً يرجعه من بعد ترنيم
يا ام كلثوم إنا لشاكرون فقد اتيت طائرة فوق القشاعيم
ثم يواصل قوله :
غني وغني الى ان يظهر الفلق ويذهب الليل كل الليل والغسق
يا ام كلثوم ان الامر مشترك فإن سكت فلسنا فيه نتفق
يا ام كلثوم غنينا مسلية فأننا بعد ايام سنفترق
واثناء غناء ام كلثوم كان الشاعر محمد باقر الشبيبي يراقب صوتها ويتاثر بإدائها وبأهاتها العذبة ففاضت روحه من الشعر اعذبه فقال :ـ
هنيئاً لك بغداد فهذي ام كلثوم
من الغيد الاعاريب أتتنا لامن الروم
لقد احيت لياليك بتغريد وترنيم
فعذراً فرحة النفس إذا قصر تكريمي
وكانت ام كلثوم قد زارت بغداد للمرة الثانية في النصف الثاني من الاربعينيات عام 1946بدعوة من الحكومةالعراقية وغنت في قصر الرحاب امام العائلة المالكة, حين كان عبدالاله وصيا على عرش العراق لصغر سن الملكفيصل الثاني. ولم تحظ ام كلثوم بتلك اللمة الشعرية الفواحة بعذب القصائد من شعراء العراق بسببتشظيهم في المحافظات او رحيل البعض منهم. لكن بقيت ام كلثوم في ضمير العراق والعراقيين, الذين غنتلثورتهم في14 تموز 1958. وكانت في حينها زعلانة مع الملحن الموجي لكنهما اجتمعا على حب العراقوشدت فيه ام كلثوم بغداد يا قلعة الاسود.
